تشهد الساحة الاقتصادية الدولية تحولات عميقة منذ انطلاق الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث أعادت سياساته الحمائية المكثفة رسم ملامح العلاقات التجارية والمالية العالمية. فمن خلال فرض تعريفات جمركية مرتفعة، والتهديد بفرض عقوبات، وتفضيل الاتفاقات الثنائية على الأطر متعددة الأطراف، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من عدم اليقين. هذه السياسات لم تستهدف خصوم الولايات المتحدة فحسب، بل طالت حلفاء تقليديين، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول فعاليتها، وطبيعتها، وتداعياتها على التوازنات الاقتصادية الأمريكية والعالمية.
الجذور التاريخية للحمائية الأمريكية
لم تكن الحمائية الاقتصادية غريبة عن التاريخ الأمريكي. فقد نشأ الاقتصاد الأمريكي في القرن التاسع عشر في ظل حماية قوية للصناعات الناشئة، مستندًا إلى أفكار اقتصاديين مثل فريدريش ليست، وتطبيقات عملية دافع عنها ألكسندر هاملتون. غير أن هذا النوع من «الحمائية التعليمية» كان مؤقتًا، وهدفه تمكين الصناعات الجديدة من المنافسة قبل الانفتاح التدريجي على التجارة العالمية.
إلا أن السياسات التي تبنتها إدارة ترامب تختلف جذريًا عن هذا النموذج. فرفع الرسوم الجمركية، خاصة في قطاع الصلب، لم يأتِ لحماية صناعات ناشئة، بل صناعات متقادمة نسبيًا، تتركز في ولايات متأرجحة انتخابيًا. كما استلهم ترامب تجربة الرئيس ويليام ماكينلي في نهاية القرن التاسع عشر، حين رُفعت الرسوم الجمركية إلى مستويات قاربت 50%، وهي تجربة أقرّ صاحبها لاحقًا بعدم جدواها الاقتصادية.
دروس التاريخ: من الكساد العظيم إلى نظام التجارة العالمي
تجربة ثلاثينيات القرن الماضي تقدم مثالًا صارخًا على مخاطر التصعيد الحمائي، حين أدى قانون «هاولي–سموت» إلى موجة من الإجراءات الانتقامية وساهم في تعميق الكساد العظيم عالميًا. وعلى النقيض من ذلك، شكّل انضمام الولايات المتحدة إلى الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) عام 1947 نقطة تحول، أطلقت عقودًا من خفض الرسوم الجمركية وتعزيز التجارة متعددة الأطراف، وصولًا إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995.
غير أن هذا النظام بدأ يتآكل تدريجيًا، خاصة مع تراجع الدعم الأمريكي لمنظمة التجارة العالمية، وتعطيل آلية تسوية النزاعات منذ عام 2011، ما أضعف قدرة النظام التجاري الدولي على فرض القواعد وضبط الخلافات.

سياسة ترامب التجارية: استراتيجية أم مغامرة اقتصادية؟
تُظهر قرارات إدارة ترامب خليطًا معقدًا من الأهداف الاقتصادية والسياسية. فمن جهة، يستخدم الرئيس الرسوم الجمركية كأداة ضغط لمعاقبة شركاء يعتبرهم «غير منصفين»، مثل الصين والاتحاد الأوروبي. ومن جهة أخرى، يطرحها كوسيلة لزيادة الإيرادات العامة، وتقليص العجز التجاري، بل وحتى كبديل محتمل لضريبة الدخل.
لكن الجمع بين هذه الأهداف يواجه تناقضات واضحة. فالرسوم الجمركية المرتفعة تقلص حجم الواردات، وبالتالي تُضعف القاعدة التي تُحصّل منها الإيرادات الجمركية. وتُعد الحرب التجارية مع الصين مثالًا بارزًا، إذ أدت الرسوم التي تجاوزت 100% إلى تراجع حاد في حجم التبادل التجاري، وارتفاع الأسعار للمستهلك الأمريكي، وظهور مسارات التفاف عبر دول ثالثة.
أما ما يُعرف بالتعريفات «التبادلية» أو الثنائية، فقد مثّل خروجًا صريحًا عن مبدأ عدم التمييز الذي قام عليه النظام التجاري الدولي. كما أن ربط العجز التجاري بالممارسات غير العادلة يتجاهل عوامل بنيوية، مثل ضعف تنافسية بعض الصناعات الأمريكية، فضلًا عن إغفال فائض الولايات المتحدة الكبير في تجارة الخدمات.
انعكاسات السياسة التجارية على الاقتصاد الأمريكي
يعاني الاقتصاد الأمريكي أصلًا من اختلالات هيكلية، أبرزها العجز التجاري والمالي. ففي عام 2024، بلغ العجز التجاري نحو 920 مليار دولار، بينما وصل عجز الموازنة إلى قرابة 1.9 تريليون دولار. وتسعى إدارة ترامب إلى معالجة هذه الاختلالات عبر تقليص الواردات وزيادة الصادرات ورفع الإيرادات الجمركية.
غير أن معظم التقديرات الاقتصادية تشير إلى نتائج عكسية. فارتفاع الرسوم يؤدي إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، ما يغذي التضخم. كما تتحمل الشركات الأمريكية التي تعتمد على مدخلات مستوردة تكاليف أعلى، ما يضعف قدرتها التنافسية. إضافة إلى ذلك، فإن التذبذب المستمر في القرارات التجارية يخلق بيئة غير مستقرة، قد تنفّر المستثمرين بدل جذبهم.
التأثير على الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل التوازنات
على الصعيد العالمي، لا يمكن التقليل من أثر السياسات الأمريكية، نظرًا لأن الولايات المتحدة تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومع ذلك، فإن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تكتلًا إقليميًا، حيث تتركز غالبية التجارة داخل كتل اقتصادية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي وآسيا.
في هذا السياق، قد تتمكن الدول الأخرى من التكيف مع الانكفاء الأمريكي عبر تعزيز شراكات بديلة. بل إن النهج الأمريكي المتقلب قد يدفع قوى اقتصادية أخرى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، إلى لعب دور «قطب الاستقرار» في الدفاع عن حد أدنى من القواعد التجارية الدولية.
نحو عالم أكثر انقسامًا اقتصاديًا
في المحصلة، تُظهر أزمة ترامب الاقتصادية أن العودة المكثفة إلى الحمائية تحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. فبينما تُستخدم الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، فإن آثارها الاقتصادية قد تتجلى في ارتفاع التضخم، وتراجع التنافسية، وتآكل النظام التجاري الدولي. وإذا استمر هذا المسار، فقد يتجه العالم نحو نظام اقتصادي أكثر انقسامًا، تسوده التكتلات الإقليمية، وتضعف فيه القواعد المشتركة التي حكمت التجارة العالمية لعقود.
شاهد أيضاً:
الانتخابات الأمريكية تضع الاقتصاد الإسرائيلي في مفترق طرق
سوق “الكريبتو” يخسر 98 مليار دولار
63.2 مليار درهم تمويلات البنوك الإماراتية للقطاع الخاص
أكبر زيادة ضرائب في بريطانيا منذ 30 عاماً